الجمع العام الثامن للتوحيد والإصلاح ببوزنيقة.. إصلاح شامل وتجديد فكري ورسائل قوية بشأن الوطن وفلسطين
الأنوال نيوز
انطلقت، مساء الجمعة بمدينة بوزنيقة، أشغال الجمع العام الوطني الثامن لحركة التوحيد والإصلاح، في محطة تنظيمية وفكرية بارزة تمتد على مدى ثلاثة أيام، تحت شعار «بالاستقامة ينهض الوطن وبالمقاومة تعز الأمة»، بحضور أزيد من 600 منخرط، إلى جانب عدد من الشخصيات العلمية والدعوية والسياسية من داخل المغرب وخارجه.
وشهدت الجلسة الافتتاحية حضورعدد من الضيوف، في مقدمتهم الدكتور عصام البشير، نائب رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين ورئيس مركز الفكر الإسلامي والدراسات المعاصرة، إلى جانب العالم والفقيه الشيخ محمد الحسن الددو، والمفكر الإسلامي عبد المجيد النجار، وعدد من الشخصيات المغربية، من بينها سعد الدين العثماني، ومصطفى الرميد، وأحمد الريسوني، وعبد الإله بنكيران، وغيرهم.
وقدم رئيس حركة التوحيد والإصلاح، الدكتور أوس رمال، في كلمته الافتتاحية، رؤية واسعة لمفهوم الإصلاح، رابطاً بين استقامة الفرد وصلاح المجتمع والنهوض بالوطن.
وأكد أن حماية الهوية الإسلامية للمجتمع المغربي وترسيخ قيم الوسطية والاعتدال وتجديد فهم الدين تظل في صلب العمل الدعوي والتربوي للحركة، مع التشديد على أهمية تقوية الجبهة الداخلية واعتماد سياسات عمومية أكثر عدلاً وإنصافاً.
وتوقف رمال عند واقع التأطيرالديني، داعياً إلى تقييم موضوعي لخطة «تسديد التبليغ»، ومراجعة قرار توحيد خطب الجمعة بما يسمح للخطباء بهامش أوسع للتفاعل مع قضايا المجتمع ومستجدات الواقع، في إطار الضوابط الشرعية والعلمية.
كما دعا إلى إعادة النظر في بعض قرارات إعفاء الخطباء، مؤكداً أن المنبر لا ينبغي أن ينفصل عن قضايا الوطن والأمة، وفي مقدمتها القدس وفلسطين.
وأعطى رئيس الحركة حيزاً مهماً لقضايا الأسرة والشباب، محذراً من المخاطر الثقافية والرقمية التي تستهدف الناشئة، ومن انتشار محتويات تكرس التفاهة والانحراف وتضعف المرجعية القيمية داخل المجتمع.
ودعا في هذا السياق إلى تطوير عرض تربوي ورقمي قادر على استقطاب الشباب وتقديم بدائل نافعة، بما يحمي الأسرة ويعزز حضور القيم في الفضاء الرقمي.
وفي ما يتعلق بمراجعة مدونة الأسرة، شدد رمال على أن حماية الأسرة ينبغي أن تكون أولوية وطنية، وأن معالجة الإشكالات المرتبطة بها لا يمكن أن تتم بمعزل عن السياسات التربوية والاجتماعية والاقتصادية، بما يساهم في معالجة الهشاشة وتيسير الزواج ودعم استقرار الأسر.
كما أشاد بالمنهجية المرتبطة بالتأطير الملكي لورش مراجعة مدونة الأسرة، وبالدور الذي يضطلع به المجلس العلمي الأعلى في صيانة الأحكام الشرعية ضمن المرجعية الإسلامية والثوابت الدستورية.
وفي الشأن التعليمي، حذر رمال من الآثار التي قال إنها قد تنتج عن فرنسة تدريس المواد العلمية، مجدداً الدعوة إلى اعتماد العربية لغة أساسية للتدريس مع تأهيل الأمازيغية.
واعتبر أن أزمة التعليم لا ترتبط فقط بالمناهج واللغات، وإنما تتصل كذلك بغياب الرسالة والقيم التربوية القادرة على بناء المواطن الصالح، بما يجعل الإصلاح التربوي في نظره ورشاً يتجاوز الجوانب التقنية إلى بناء الإنسان.
توقف رئيس الحركة عند تراجع القدرة الشرائية وارتفاع الأسعار، داعياً إلى ربط المسؤولية بالمحاسبة ومحاربة الفساد، وقراءة نتائج انتخابات 2026 بشكل مسؤول.
كما طالب بانفراج حقوقي وسياسي، داعياً إلى إطلاق سراح المعتقلين السياسيين ومعتقلي الرأي والمدونين، معتبراً أن تعزيز المصالحة الوطنية يمر عبر توسيع مجال الحقوق والحريات.
وأكد في هذا السياق أن التنمية لا تنفصل عن العدالة الاجتماعية، وأن الاستقرار يحتاج إلى احترام الحقوق والحريات.
وفي ما يخص القضية الوطنية، ثمن أوس رمال الجهود المبذولة لترسيخ مغربية الصحراء، معتبراً أن مبادرة الحكم الذاتي تشكل أساساً مهماً في المسار المتعلق بالقضية.
ودعا الصحراويين الموجودين بمخيمات تندوف إلى العودة إلى أرض الوطن والمساهمة في بنائه، كما جدد التأكيد على مغربية سبتة ومليلية والجزر الجعفرية، داعياً إلى مواصلة العمل من أجل استكمال الوحدة الترابية للمملكة بالوسائل المشروعة والحكيمة.
وحضرت القضية الفلسطينية بقوة في كلمة رئيس الحركة، الذي جدد رفض حركة التوحيد والإصلاح لمختلف أشكال التطبيع مع إسرائيل، معتبراً أن استمرار العدوان على الفلسطينيين وما وصفه بجرائم الاحتلال يجعل الموقف من القضية الفلسطينية جزءاً من مسؤولية الحركة تجاه قضايا الأمة.
كما حذر من مخاطر ما اعتبره «الاختراق الصهيوني» للنسيج الوطني والأمني، داعياً إلى مواجهته وتقوية الجبهة الداخلية، وربط التضامن مع الشعب الفلسطيني بالدفاع عن القضايا الوطنية وتعزيز التوافق المجتمعي.
وأوضح رمال أن مفهوم المقاومة الذي تتبناه الحركة لا يقتصر على مواجهة الاحتلال، بل يشمل كذلك رفض الظلم والعدوان، ومقاومة اليأس والتخلف والتبعية والفساد، والتصدي للمنكر بالحكمة والموعظة الحسنة.
ومن جانبه، قدم الدكتور عصام البشير، خلال الجلسة الافتتاحية، مداخلة فكرية ركز فيها على ضرورة الإصلاح الفكري باعتباره مدخلاً أساسياً في مسيرة النهوض.
وحذر البشير من تيارات فكرية متعددة قال إنها تؤثر في واقع الأمة، مستحضراً ما وصفه بالتيار الانتحاري الذي يبدأ بالتكفير وينتهي بالتفجير، والتيار الانبهاري الذي يبدأ بالتخذير وينتهي بالتدمير، والتيار الاجتراري الذي يعيش على الماضي وقضاياه، إضافة إلى ما سماه التيار الاستجاري الذي يعظم المختلف عليه.
وأكد أن الحركة الإسلامية المعاصرة، بعد نحو قرن من التجربة، تحتاج إلى إحياء فقه المراجعة في الأفكار والبرامج والمشاريع والخطط والوسائل والأدوات، وكذلك في مجال تداول القيادة.
وشدد على أن المراجعة المطلوبة ينبغي أن تكون شاملة، وألا تقتصر على الوسائل، بل تمتد إلى النيات والمقاصد والهمم والعزائم والأفكار والبرامج والمشاريع.
ودعا البشير إلى جعل التجديد باباً من أبواب النهضة، مؤكداً أن التجديد ينبغي أن يشمل كذلك القيادات، معتبراً أن التداول الحقيقي ينبغي أن يكون ممارسة داخلية قبل المطالبة به من الآخرين.
واستحضر في هذا السياق مواقف من سيرة عمر بن الخطاب رضي الله عنه حول ضرورة المراجعة وعدم التمادي في الخطأ، ليؤكد أن الرجوع إلى الحق وتصحيح المسار ليس ضعفاً، وإنما هو جزء من قوة المشروع الإصلاحي.
كما شدد على أهمية حضور الحركة في الزمان والمكان، وعلى ضرورة الجمع بين الإيمان والعمل، والأسرة التي تصون الفرد، والقوة المقترنة بالحق، والأخلاق التي تمنح الإنسان قيمته وجماله.
ويشكل الجمع العام الوطني الثامن محطة لتقييم المرحلة التنظيمية الممتدة من 2022 إلى 2026، ومناقشة التقريرين الأدبي والمالي، قبل انتخاب رئيس وأعضاء المكتب التنفيذي للمرحلة المقبلة.
وبذلك لا تبدو دورة بوزنيقة مجرد محطة تنظيمية لتجديد القيادة، وإنما مناسبة لإعادة ترتيب الأولويات الفكرية والدعوية والتربوية للحركة، في ظل تحولات اجتماعية وسياسية ورقمية متسارعة، مع إبقاء قضايا الهوية والأسرة والتعليم وفلسطين والوحدة الترابية في صلب النقاش.
ويحمل الشعار الذي اختارته الحركة للجمع العام، «بالاستقامة ينهض الوطن وبالمقاومة تعز الأمة»، دلالة واضحة على تصورها للمرحلة المقبلة، حيث تلتقي قيم الاستقامة والإصلاح الداخلي مع الانخراط في القضايا الوطنية وقضايا الأمة، في أفق مرحلة تنظيمية جديدة ينتظر أن تحدد ملامحها أشغال الجمع العام ونتائج انتخاب القيادة المقبلة.

البرلمان المغربي بين صراع الأغلبية والمعارضة.. أين اختفت أسئلة القدرة الشرائية والصحة والتعليم؟
الذكاء الاصطناعي يعيد رسم ملامح التواصل.. ندوة دولية بالرباط تناقش مستقبل المهنة والفضاء العمومي
الشبكة الدولية للتضامن بين الشعوب "تضامنٌ كامل مع الشعب الأردني وإدانةٌ للجريمة الإرهابية بالكرك"
أوكي..