المستشار الأستاذ عبد الحكيم القادري بودشيش .."الدقيقة الأولى لحفظ الأدلة في التحكيم البحري"
الأنوال نيوز :المستشارالأستاذ عبد الحكيم القادري بودشيش
قاضٍ لدى المحكمة الدولية لتسوية المنازعات بلندن
رئيس الوحدة القضائية العليا للعلاقات الإفريقية والأوروبية والعربية
محكّم دولي في التجارة والهندسة والرياضة خبير دولي في التدقيق والقانون وتقييم المقاولات لدى المنظمة العالمية للخبراء الدوليين OMEI بجنيف www.expertkadiri.com
السيدات والسادة، لنتصور سفينة جنحت للتو. تتحرك فرق الإنقاذ، لكن الملف القانوني لم يتشكل بعد. ومع ذلك، فإن الدليل، سواء على متن السفينة أو في الميناء أو لدى أحد مقدمي الخدمات، قد بدأ بالفعل عدّه التنازلي.
ستُستبدل إحدى البيانات قريبًا ببيانات جديدة، وهناك ساعة لم تُضبط بالتزامن مع الساعات الأخرى،وتحديث لم يعد بالإمكان تتبع أثره. أما العدالة، فلم تصل بعد.
سؤالي بسيط: ماذا يستطيع التحكيم أن يفعل حين يكون الدليل مهددًا بالاختفاء قبل أن تبدأ إجراءات التحكيم أصلًا؟
المشكلة غير المرئية لم تعد الحوادث البحرية تُخلّف أضرارًا وشهادات فحسب، بل تُنتج عددًا كبيرًا من الآثار الرقمية: مسجّل بيانات الرحلة، المعروف بالاختصار VDR، المأخوذ من عبارة Voyage Data Recorder؛ ونظام التعريف الآلي AIS؛ والرادار؛ والخرائط الإلكترونية؛ والاتصالات المينائية؛ وبيانات تشغيل الآلات؛ والإنذارات؛ والصور؛ وسجلات الصيانة. غير أن هذه الوفرة قد تكون خادعة. فنسخ الدليل الرقمي أمر يسير، بينما قد يكون التحقق من أصالته بالغ الصعوبة.
ويتوزع هذا الدليل بين أطراف لا تتطابق مصالحها ولا أنظمتها، ولا تخضع دائمًا للقانون نفسه. لذلك، لايقتصر الخطر الأول على الإتلاف المتعمد، بل يشمل أيضًا المحو الآلي، وفقدان البيانات الوصفية، واختلال التسلسل الزمني، أو استخراج البيانات دون منهج مشترك.
هذه الفترة الفاصلة بين وقوع الحادث وقدرة جهة مختصة على التدخل فعليًا هي ما أسميه «الدقيقة الأولى لحفظ الأدلة».
الإشكالية والأطروحة التي أدافع عنها
تتمثل الإشكالية، إذن، في السؤال الآتي: كيف يمكن حفظ دليل رقمي بحري مهدد بالضياع، على وجه السرعة وقبل تشكيل هيئة التحكيم، دون استباق تحديد المسؤولية، ودون تجاوز القضاء، ودون إضعاف حقوق الدفاع؟
الأطروحة التي أدافع عنها تتسم بالتوازن المقصود. فالحل لا يكمن في ابتكار سلطة تحكيمية متخيّلة، بل يقوم على استمرارية ثلاث وظائف: يهيّئ العقد الاستجابة، ويثبّت الخبير المستقل الدليل ويحفظه، ويتولى المحكّم أو القاضي مراقبة مشروعية الإجراء. ويتيح هذا الترابط كسب الوقت مع صون الرضا والتناسب ومبدأ المواجهة بين الأطراف.
وتنطوي الإشكالية على ثلاثة أوجه من التوتر: توتر زمني، لأن البيانات قد تختفي قبل صدور القرار؛ وتوتر قانوني، لأن سلطان الإرادة يقف عند حدود حقوق الغير والقواعد الآمرة؛ وتوتر إثباتي، لأن السلامة التقنية لملف رقمي لا تكفي لإثبات صحة مضمونه. ولا يكتسب النموذج المقترح مصداقيته إلا إذا عالج هذه الأوجه الثلاثة معًا.
فكرة تستلزم الحذر في استعمالها لمعالجة هذا الفراغ الزمني، اقترحت تعبير «الأمر التحكيمي صفر». وهو تعبير يلفت الانتباه، لكنه يحتاج إلى توضيح: فلا يتعلق الأمر بحكم يصدر عن محكّم لم يُعيّن بعد، ولا بسلطة جديدة تسمح بتجاوز القاضي.
إنه بروتوكول يُتفق عليه مسبقًا. فتقرر الأطراف أنه عند وقوع تصادم أو جنوح أو تلوث أو فقدان شحنة أوعطل حرج، يجب تجميد بيانات محددة لمنع محوها أو تغييرها، ونسخها بواسطة خبير مستقل، وإيداعها لدى أمين للحفظ. ولا يُحدَّد بموجب هذا الإجراء أي مسؤول، ولا يُقرَّر أي حق؛ وإنما يُحفظ فقط ما قد لا يبقى موجودًا في اليوم التالي.
وعليه، فالتعبير مقترح فقهي، أما المنهج الذي يدعو إليه فعملي: الاستباق بالعقد، والحفظ بالتقنية، والرقابة بالقانون.
كيفية عمل الآلية المرحلة الأولى: يُفعّل إخطار فوري الالتزام بعدم حذف البيانات. ويحدد الإخطار الواقعة والأنظمة المعنية والفترة الزمنية المطلوب حفظ بياناتها. ولا يُعدّ هذا الإخطار إقرارًا بالمسؤولية.
المرحلة الثانية: يتدخل خبير محايد، فيحدد المصادر، وينجز النسخ المأذون بها، ويحسب البصمات الرقمية، ويوثق الأدوات المستخدمة والأشخاص الحاضرين، ثم يحدد الفروق بين الساعات المختلفة ويطابق أوقاتها.
وليس دوره تفسير الحادث، بل الحيلولة دون أن يصبح تفسيره مستحيلًا.
المرحلة الثالثة: يُحفظ الدليل دون الإفصاح عنه تلقائيًا. وقد تبقى بيانات معينة مودعة لدى أمين للحفظ حمايةً لسر تجاري أو لمعلومات شخصية أو لعناصر لا صلة لها بالنزاع.
المرحلة الرابعة: يتولى محكّم الطوارئ أو هيئة التحكيم أو القاضي مراقبة التدبير. وتنظم قواعد التحكيم لسنة 2026 لغرفة التجارة الدولية، المعروفة بالاختصار CCI، محكّم الطوارئ في المادة 31 والملحق الرابع. كما يعترف القانون النموذجي للجنة الأمم المتحدة للقانون التجاري الدولي، المعروفة بالاختصار
CNUDCI، في المادة 17، بالتدابير الرامية إلى حفظ الأدلة. وحين تكون البيانات مملوكة للغير، أويستلزم الأمر استعمال سلطة الإكراه العام، يبقى تدخل القاضي ضروريًا.
وعند تشكيل هيئة التحكيم، يُسلَّم إليها سجل كامل يبيّن المصدر والوقت والمنهج والبصمة الرقمية والجهة المودع لديها الدليل وتاريخ عمليات الوصول إليه. ويمكن للهيئة عندئذ أن تأمر بالإفصاح الجزئي، أو أن تحمي المعلومات السرية، أو أن تستبعد دليلًا جُمع بطريقة غير مشروعة، أو أن تطلب خبرة مضادة. ولا تنتقص سرعة الحفظ من عمق المناقشة اللاحقة.
وتظهر الصعوبة الأشد حساسية حين يوجد الدليل في عدة دول. فالعقد يستطيع إلزام الأطراف بالحفظ، لكنه لا يحوّل الخبير إلى سلطة عامة، ولا يعطل قوانين حماية البيانات أو قواعد السيادة أو حقوق الغير. ولذلك،يجب أن يحدد البروتوكول، بالنسبة إلى كل مصدر، الشخص الحائز له، والقانون الذي يحكم استخراج بياناته، والجهة المختصة بإصدار تدبير قسري. ولا تتحقق السرعة بتوسيع مصطنع للسلطة التحكيمية، بل بالإعداد الصحيح لمسارات التدخل.
الضمانات
قد يصبح التدبير السريع مجحفًا إذا كان نطاقه غامضًا. لذلك، أقترح طرح ستة أسئلة قبل أي تدخل: هل البيانات ذات صلة بالنزاع؟ وهل هي مهددة فعلًا؟ ومن يحوزها؟ وما الأساس القانوني للتدخل؟ وهل التدبيرمتناسب؟ وهل يمكن الاعتراض عليه سريعًا؟
كما يجب التمييز بين ثلاثة أمور: حفظ الدليل لا يعني الإفصاح عنه؛ والإفصاح عنه لا يعني قبوله دليلًا؛ وقبوله لا يعني التسليم بصحة مضمونه. فالبصمة الرقمية تثبت سلامة النسخة منذ لحظة تثبيتها، لكنها لاتثبت أن المستشعر كان يعمل بصورة صحيحة، أو أن إعدادات الخوارزمية كانت سليمة، أو أن البيانات تثبت السببية من الناحية القانونية.
ويحمي هذا الحذر الدليل وحرية هيئة التحكيم في تقديره معًا.
وهو يحمي الأشخاص أيضًا. فقد تحتوي سجلات السفينة أو الميناء على بيانات شخصية ومراسلات سرية ومعلومات تجارية لا علاقة لها بالحادث. لذلك، يجب تقييد الوصول، وتوثيق كل عملية اطلاع، وتنظيم إتلاف النسخ التي لم تعد لازمة أو إعادتها. ولا يجوز أن تتحول العدالة السريعة إلى جمع للبيانات بلا حدود.
ويجب أن يخضع التدبير لاختبار مزدوج: أولهما استشرافي، يسأل عما إذا كان خطر الضياع، وقت التدخل، جديًا بما يكفي لتبرير الإجراء؛ وثانيهما لاحق للحفظ، يتحقق من استمرار ملاءمة النطاق المعتمد وتناسبه. وتمنع هذه الرقابة المزدوجة انحرافين متقابلين: التقاعس الذي يترك الدليل يضيع، والحفظ الشامل الذي يمس الحقوق دون ضرورة.
الواقعة الحقيقية
لنعد إلى واقعة حقيقية. ففي 18 مايو 2011، جنحت سفينة الحاويات CMA CGM LIBRA بعد وقت قصير من مغادرتها شيامن متجهة إلى هونغ كونغ. ولم تكن خطة الرحلة المعدّة قبل الإبحار قد أشارت
على نحو صحيح إلى الخطر الناجم عن أعماق أقل مما هو مبين على الخريطة، خارج القناة الملاحية المحددة بالعلامات. وقد خلصت المحاكم البريطانية إلى أن هذا القصور أسهم في أخطاء الملاحة.
وفي 10 نوفمبر 2021، رفضت المحكمة العليا للمملكة المتحدة طعن مالكي السفينة في قضية Alize 1954 and another v Allianz Elementar Versicherungs AG and others. وتشير الإحالة [2021] UKSC 51 إلى الحكم رقم 51 الصادر عن هذه المحكمة سنة 2021. وقد أكدت المحكمة أن وجود خلل في خطة الرحلة يمكن أن يسهم في عدم صلاحية السفينة للملاحة عند بدء الرحلة.
ويجب تحديد دلالة هذا المثال بدقة. فهو نزاع قضائي بريطاني يتعلق بصلاحية السفينة للملاحة والخسارة البحرية المشتركة، وليس تحكيمًا، ولا قرارًا بشأن حفظ الأدلة الرقمية، ولا سابقة تعترف بـ«الأمرالتحكيمي صفر». وأستحضره هنا حصرًا بوصفه حالة اختبار بالمقارنة.
وتظل العبرة منه مهمة: فقد تصبح معلومة ملاحية لم تُدمج على نحو كافٍ قبل الإبحار، بعد سنوات، عنصرًا محوريًا في الاستدلال بشأن المسؤولية. وفي بيئة رقمية، يلزم حفظ نسخة الخرائط الإلكترونية المستخدمة، وتاريخ تحديثاتها، والمسار المخطط له، والإنذارات، وسجلات الوصول، وبيانات مسجّل الرحلة VDR. ولا يُستمد البروتوكول المقترح من هذا الحكم، بل يسعى إلى منع اختفاء الآثار التي قد
يجعلها هذا النوع من المنازعات حاسمة.
وإذا كانت الأنظمة تعتمد أوقاتًا مختلفة، فقد يبدو أن إنذارًا صدر بعد اتخاذ قرار، مع أنه سبقه في الواقع.
ولا يعيد الخبير بناء رواية الوقائع بدلًا من هيئة التحكيم، وإنما يوثق الفارق الزمني حتى يبقى التسلسل قابلًا للتحقق.
طنجة والاقتصاد الأزرق
تقلل جودة الأدلة من عدم اليقين في مجال التأمين، وتيسر تقييم الخسائر، وتعزز ثقة المستثمرين. ويمكن لطنجة أن تحتضن مشروعًا عمليًا يقوم على شرط نموذجي، وقائمة خبراء مستقلين، ومستودع رقمي مؤمَّن، وتنسيق واضح بين المؤسسة التحكيمية والقضاء الوطني. وبذلك يسهم المغرب في تأمين التدفقات البحرية قانونيًا وصون حقيقة وقائعها الرقمية.
الخاتمة
أختتم بأربعة مقترحات: حصر مصادر البيانات قبل وقوع الحادث؛ وإقرار التزام تعاقدي بحفظها؛ وإسناد النسخ إلى طرف محايد؛ وإخضاع التدبير لرقابة سريعة تكفل المواجهة بين الأطراف.
بعد الحادث، نسأل: من ارتكب الخطأ؟ وينبغي أيضًا أن نسأل: من كان يحوز البيانات؟ وكم كان يمكن أن تبقى محفوظة؟ وماذا فُعل خلال الدقيقة الأولى لحفظ الأدلة؟
ليس الهدف تحويل كل حادث إلى تحقيق مفرط الاتساع، بل حفظ العناصر الضرورية لمناقشة جدية تكفل المواجهة بين الأطراف.
لا تختفي الحقيقة البحرية دائمًا وسط دويّ التصادم. فقد تُمحى بصمت، سطرًا بعد سطر، داخل نظام يواصل العمل. وحفظ هذا الأثر لا يعني استباق الحكم في النزاع؛ بل يعني صون إمكان تحقيق عدالة منصفة من أساسه.

سلا- التطاول على مسار الطرامواي يورط 12 شخصا من مستعملي التروتينيت والدراجات
الطريقة القادرية البودشيشية بالقنيطرة تنظم يوماً دراسياً تحت شعار " دعوتنا عمل "
مدرسة بمولاي بوسلهام تحت وطأة الإهمال.. تدهور في المرافق واختلالات بالجملة ومطالب عاجلة بالتدخل
أوكي..