من إصلاح القلب إلى حوكمة السلطة كيف تتحول قيم التزكية إلى ضمانات تحمي القرار والحق؟
الأنوال نيوز :بقلم المستشار الأستاذ عبد الحكيم القادري بودشيش قاضٍ ورئيس الوحدة القضائية العليا للعلاقات الأفريقية والأوروبية والعربية لدى المحكمة الدولية لتسوية المنازعات بلندن، ومحكّم دولي وخبير استشاري دولي لدى OMEI بجنيف
محاضر وشاعر
www.expertkadiri.com
هل تكفي نزاهة صاحب القرار وحسن نيته لضمان عدالة قراره؟
ينطلق هذا السؤال من المجال الروحي والأخلاقي، لكنه يقود مباشرة إلى صميم القانون والحوكمة.
فالإنسان قد يكون صادقًا ومستقيمًا وحريصًا على الخير، ومع ذلك يصدر عنه قرار خاطئ أو غيرعادل. وقد لا يكون السبب فسادًا أو تعمدًا، بل نقصًا في المعلومات، أو ضغطًا تمارسه السلطة، أو تحيزًا غير واعٍ، أو ثقةً مفرطة في الخبرة أو التقنية.
قد يخطئ القاضي في تقدير دليل، أو يغفل المحكّم عن علاقة تستوجب الإفصاح، أو يتردد المدقق في مواجهة جهة مؤثرة، أو يعتمد المسؤول على توصية صادرة عن خوارزمية لا يعرف طريقة عملها ولا حدودها. وفي جميع هذه الحالات، تظل النية الحسنة مهمة، لكنها لا تكفي وحدها لحماية الحقوق.
من هنا تبحث الدراسة في كيفية الانتقال من إصلاح القلب، باعتباره مسؤولية روحية وشخصية، إلى حوكمة تضبط ممارسة السلطة وتحمي صاحب الحق، من دون أن يصبح الصلاح المفترض بديلًا عن القانون أو الاختصاص أو التعليل والمراجعة.
تؤدي التزكية والصحبة الروحية مع الشيخ المربي دورًا أساسيًا في تهذيب النفس، ومقاومة الهوى، وقبول النصح، والاعتراف بالخطأ والرجوع إلى الصواب. فالإنسان قد يعرف معاني الصدق والتواضع والأمانة، لكنه يظل في حاجة إلى تربية عملية تعينه على مواجهة نفسه حين تتدخل المصلحة أو الهيبة أوالخوف.
وفي هذا السياق، تستحضر الدراسة نموذج الطريقة القادرية البودشيشية في مرحلتها الراهنة، بقيادة فضيلة الدكتورمولاي منير القادري بودشيش، رئيس الملتقى العالمي للتصوف وشيخ الطريقة القادرية البودشيشية. ويكتسب هذا النموذج أهميته من جمعه بين التربية الروحية والانفتاح على العلم والفكروالتكنولوجيا وقضايا العصر. فالتصوف هنا ليس انسحابًا من الحياة، بل تربية على الذكر والمحبة والخدمة وتحمل المسؤولية داخل المجتمع ومؤسساته.
لكن هذا الدور التربوي لا يلغي ضرورة الفصل بين المجال الروحي والمجال القانوني. فالشيخ المربي ليس مصدرًا للاختصاص القانوني، والصحبة ليست شهادة مهنية، والانتماء إلى طريقة صوفية لا يشكل في ذاته دليلًا على نزاهة القاضي أو الموظف أو المحكّم.
إن ثمرة التربية الروحية تظهر عندما تتحول إلى سلوك يمكن للآخرين ملاحظته: صدق في الإفصاح، واستعداد لقبول المراجعة، وإنصات إلى الرأي المخالف، وشجاعة في الاعتراض، وقدرة على الاعتراف بالخطأ وتصحيحه.
ولتوضيح هذا الانتقال، تقترح الدراسة مفهوم «الترجمة القيمية»، أي تحويل الأثر الأخلاقي للقيم الروحية إلى ضمانات مؤسسية قابلة للفهم والتطبيق والمراجعة. فلا تتحول الطاعة في التربية إلى امتثال أعمى للرئيس، ولا يصبح الستر ذريعة لإخفاء مخالفة تمس حقوق الناس، ولا تُستخدم الثقة في صلاح شخص ما لمنحه حصانة من النقد أو المساءلة.
وتخضع هذه الترجمة لجملة من الشروط، أهمها حماية الحقوق، واحترام القانون، وقابلية السلوك للملاحظة والتقييم، وعدم التمييز بين الأشخاص على أساس انتمائهم الديني أو الروحي، فضلًا عن منع استغلال السلطة القانونية أو النفوذ المعنوي.
وتختبر الدراسة هذا التصور في القضاء والتحكيم والتدقيق والقرارات المدعومة بالذكاء الاصطناعي.
ففي القضاء، لا تكفي قناعة القاضي بعدالته، بل ينبغي أن تظهر العدالة في سماع الأطراف، واحترام حق الدفاع، ومناقشة الأدلة، وتعليل الحكم، وضمان إمكان الطعن فيه. وفي التحكيم، لا تكفي سمعة المحكّم أو ثقة الأطراف فيه، بل يجب الإفصاح عن كل علاقة قد تثير شكًا مشروعًا في استقلاله وحياده.
وفي مجال التدقيق، لا تكفي أمانة المدقق، بل ينبغي أن يستند رأيه إلى أدلة كافية، وأن يكون عمله موثقًا وخاضعًا لمراجعة الجودة، وأن يتمتع بالاستقلال عن الجهة محل الفحص. كما يتعين على المؤسسة أن تحمي من يعترض بحسن نية، حتى لا تصبح الشجاعة الفردية وحدها شرطًا لكشف الخطأ.
أما القرارات المدعومة بالذكاء الاصطناعي، فتثير أسئلة أكثر تعقيدًا: من يتحمل المسؤولية إذا أخطأت الخوارزمية؟ وهل يستطيع المتضرر الطعن في قرار لا يفهم طريقة إنتاجه؟
لا يجوز أن تضيع المسؤولية بين مطور النظام ومورده والموظف والمؤسسة. فالجهة التي تصدر القرارفي مواجهة الشخص تظل مسؤولة عن تقديم تفسير مفهوم، وإتاحة مراجعة بشرية حقيقية، وتمكين المتضرر من الاعتراض، والعمل سريعًا على وقف الضرر وتصحيحه. ومن هنا يصبح تدقيق الخوارزميات ضرورة لفحص البيانات، ونسب الخطأ، والتحيز المحتمل، وتأثير النظام في حقوق الأفراد والفئات.
وتخلص الدراسة إلى نموذج يتكون من خمسة مستويات مترابطة: القلب محل الإصلاح، والذات محل المحاسبة، والسلوك محل الملاحظة، والقرار محل المراجعة، والحق محل الحماية.
وبذلك، لا يقاس نجاح الاستلهام الأخلاقي بما يقوله صاحب القرار عن نفسه، وإنما بما يقدمه من ضمانات لصاحب الحق: هل يستطيع فهم القرار؟ هل أُتيحت له فرصة الاعتراض؟ هل توجد جهة مستقلة تراجع النتيجة؟ وهل يمكن وقف الضرر ورد الحق إليه إذا ثبت الخطأ؟
وفي السياق المغربي، تدعو الدراسة إلى التمييز بوضوح بين إمارة المؤمنين بوصفها مؤسسة دستورية تؤطر الشأن الديني، والتزكية باعتبارها مسارًا اختياريًا لتربية الإنسان، والسلطة القضائية أو الإدارية أو المهنية باعتبارها اختصاصًا قانونيًا خاضعًا للمساواة والمساءلة.
فالقيم الروحية تستطيع أن تغذي الضمير وتقوي الإحساس بالمسؤولية، لكنها لا تنشئ اختصاصًا قانونيًا، ولا تعفي صاحب السلطة من تقديم الدليل أو تعليل قراره أو الخضوع للمراجعة.
وتوصي الدراسة بالفصل الصريح بين التربية الروحية والتقييم المؤسسي، وتعزيز الإفصاح عن المصالح، وحماية الاعتراض المهني، وتوثيق القرارات، وتشديد ضمانات المراجعة كلما ازدادت خطورة القرار. كما تدعو إلى إعطاء الأولوية لوقف الضرر ورد الحق إلى صاحبه، من دون انتظار انتهاء البحث في النيات والمسؤوليات الشخصية.
إن إصلاح القلب لا يغني عن حوكمة السلطة، كما أن القانون وحده لا يستطيع مراقبة جميع دوافع الإنسان. فالقلب يُصلح صاحبه، والحوكمة تضبط سلطته، والمراجعة تكشف خطأه، والتصحيح يرد الحق إلى أهله.
وتبدأ الحوكمة الحقيقية عندما لا يكتفي صاحب القرار بالقول: «أنا عادل»، بل يقيم ضمانات تسمح للآخر بفهم قراره، ومناقشته، والاعتراض عليه، وتصحيح آثاره إذا ثبت الخطأ.

الأمم المتحدة والمغرب يعقدان مؤتمرا لمواجهة خطاب الكراهية، وتعزيز التسامح بين الأديان
الانتخابات التشريعية أداة هدم أم بناء ؟
سفارات المغرب وإسرائيل قبل الانتخابات وفي خضم أزمة سبتة.. لماذا الآن؟
بين أحكام الشريعة ومواثيق الحقوق: التطبيع مع الاحتلال فاقد للمشروعية والأخلاق
أوكي..