تعقيب على تفكيك (الدكتور) الراضي بقلم: الدكتور محمد المصطفى عزام
الأنوال نيوز : بقلم الدكتور محمد المصطفى عزام
بُعثَ إليّ بردّ على مقالي "الاستمحاصي"، موقَّعٍ باسم:الدكتور اسماعيل الراضي، لأنّ الباعث يعلم بعدم انشغالي بمتابعة وسائل التواصل "العنكبوتي". ولقد أثار الردّ عجبي لما أجلب به الرادّ على المقال من تصدية وعجعجة طنّانة، وما هوّل به من ألفاظ ومصطلحات غليظة رنّانة؛ ومنها عنونة الردّ بأنّه "تفكيك ..." (وما بينه وبين "التفكيكية" إلاّ كما بين الأرض والسماء)، ومنها كذلك "استملاس العقول"، "تمحيص الحقائق"، "الاضطراب المنهجي"، "قواعد الاستدلال العلمي والفقهي"، "دعاوى مرسلة"، "تحرير محلّ النزاع"، "الخلل المنهجي"، "آداب البحث والمناظرة"، وغيرها ممّا لا يُشخّص إلاّ حملةً "دونكيشوطيّة" هوجاء لا مدعاة لها؛ إذ أنّ كلّ من قرأ مقالي لابدّ أن يفطن إلى أنّ الرادّ لم يقصد إلاّ استعراض تلك الألفاظ من غير أن يكون لها موضوع؛ ذلك أنّ ما كتبت لم يكن إلا تنبيهاً إلى أمور وددت من رفاق زمنٍ أن يتثبّتوا منها، إشفاقاً عليهم من أن يكونوا ضحيّة تضبيب أو سوء تقدير.
وقد تردّدت طويلاً في الردّ على الدكتور، مخافة الانزلاق إلى المراء المذموم الذي طالما حاولت تجنّبه؛ إلاّ أنّ الحاجة إلى تصحيح أمور وتوضيح أخرى - إحقاقاً للحقّ – ترجّحت على التردّد.
يطالبني الدكتور المفكّك بالتثبّت من الوقائع والعلم الكامل بالسياق، فيما يخصّ "التراجع" (الذي يصفه بالمزعوم). فأقول – من باب حسن الظنّ -: لعلّه لم يشاهد الفيديو الذي ظهر فيه شيخه المحترم إلى جانب السيد مقدّم المدينة، في ليلة غاصّة بالفقراء؛ وبعد كلمة المقدّم التي أشاد فيها بـــ"مهندس المشيخة"، تناول شيخ الدكتور الكلامَ، وكان ممّا قاله بالحرف: «سيدي منير هو الخليفة». أوَلا يكفي هذا سياقاً مقامياً ومقالياً؟ وقد كان على السيّد المفكّك أن يتثبّت من ذلك، وقد قلت إنّه موثّق صوتاً وصورةً.
وممّا يثير الدهشة أيضاً ما ساقه السيّد الدكتور عن «الامتناع عن تحمّل المشيخة ...»؛ فاعتبر أنّ إقرار شيخه بالخلافة لغيره امتناع عنها! وما يزيدنا اندهاشاً مقارنة الأمر بموقف سيدي العبّاس المعلوم – قدّس الله سرّه -؛ وشتّان بين الحالتين حيث لا قياس ولا مقارنة؛ وإلاّ فكيف يستقيم في تعبير الدكتور الجمع بين الإقرار والامتناع؟! (وهما لا يجتمعان في أمر واحد) إذ يقول: «فإنّ سيدي الحاج العباس نفسه أقرّ أمام شيخه بامتناعه عن تولّي المشيخة»؛ ومن المعلوم أنّ سيدي الحاج عبّاس لم يُقرّ لغيره بخلافة سيدي أبي مدين، وإنّما كان ردّه في غاية الأدب، إذ أعرب لشيخه أنّه ما صحبه إلاّ لصلاح قلبه لا لأجل المشيخة (كما سمعنا ذلك مراراً من سيدي حمزة قدّس الله سرّه)؛ ومن ثمّ فإنّ التاريخ لم يعد نفسه، كما توهّم الدكتور.
أمّا أمرُ سيدي حمزة حفيدَه بإحضار العدول لتعديل الوصيّة، و«امتناع» الحفيد و«تردّده» و«زهده» في التصدّر؛ فإنّ ذلك يطرح استشكالاً ومساءلة واستغراباً. فأمّا الاستشكال: فكيف لقطب عارف بالله، تلقّى الأمر بالاستخلاف من الحضرة الإلهيّة (كما جرت عادة الشيوخ الموصين، وكما تلقّاه سيدي أبو مدين في شأن سيدي العباس قدّس الله سرّهما)؛ وهذا ما يلزمنا – كمريدين - الاعتقاد به، كما يلزم المريد الراضي كذلك – كيف للشيخ العارف بالله «بنظرته الربّانيّة الثاقبة» -بتعبير الدكتور – أن يُغيّر أمر الحضرة؟! ألم تكن له -وحاشاه – تلك النظرة من قبلُ حين أوصى؟!. وأمّا المساءلة فهي: هل كان الدكتور يعلم بقصّة "الرغبة" في ذلك التعديل، قبل أن يقرأ وسط الفقراء الوصية التي تنصّ على خلافة سيدي منير لوالده قدّس الله سرّه، وكذلك قبل أن يؤكّد هذه الخلافة وينوّه بها في حضرة سيدي جمال رضي الله عنه؟؟ (وأرجو ألاّ يُطالبني المفكّك مرّة أخرى بالسياق، فالكلّ موثّق، والكلّ رأى ذلك وسمعه). فإذا كان يعلم، ومع ذلك قرأ وأكّد ونوّه،«... فليصنع ما شاء»؛ وإذا نفى العلم بالقصّة قبل قراءته الوصيّة وتأكيده الخلافة، فإنّي أذكّره بما جرى بيننا في إحدى دورات الملتقى العالميّ للتصوّف بمداغ قبل حوالي ثلاث سنوات؛ حين طلبت منه – بحسن نيّة، وبتحرّي كامل السرّيّة - كما فعلت مع بعض الإخوة الجامعيين الذين نشأوا في الطريقة، أن نفكّر في حلّ لما أخذ يطفو من بلبلة بين بعض الفقراء قبل أن تستشري. فقد فاجأني الدكتور الراضي آنئذ بما فهمت منه أنّ له موقفاً سلبيّا من وراثة سيدي منير للمشيخة. وممّا أذكره في هذا السياق أنّني بعد رجوعي مباشرة من الملتقى وليلة المولد النبوي بلغني من "سيدي معاذ" – وقد كنت أكنّ له من المحبّة والتعظيم آنذاك ما أكنّه لإخوة سيدي منير، إن لم أكنّ له أكثر – بلغني أنّه شكاني لبعض الناس قائلاُ بأنّ عشرةً من الفقراء أتوه وقالوا له بأنّني أقول فيه كلاماً قبيحاً [كذا !]؛ وهذا محض افتراء، لم أحتج إلى أن أبرّئ نفسي منه لأنّ شيخي آنذاك سيدي جمال قدّس اله سرّه برّأني منه. ومع ذلك فإنّني في المناسبة الموالية نفيت لسيدي معاذ آنذاك ما قد يكون سمعه من يعض المغرضين وسلّمت له لائحة بأسماء الذين حدّثتهم في موضوع البلبلة، وقلت له: إن كلّمك أحد عنّي في هذا الموضوع غيرُ هؤلاء فهو كذّاب أشر [كذا].
وبعد ذلك كنت كلّما أخبرت أحداً من أولئك الإخوة (ثلاثة أو أكثر) بما اتُّهمت به إلاّ وشكّ في أنّ مُخاطَبي بهذا التعقيب هو من يكون قد أخبر الشريف بما أراد. أمّا أنا فكنت أقول: الله أعلم.
وأما ادّعاء الدكتور بأنّ إمارة المؤمنين قد تدخّلت لتضع الأمور في نصابها (!) فلا جواب عليه إلاّ بما استعمله هو نفسه من وصف، وهو: "استملاس العقول"، بل قُل: إيهامها بما لا وجود له. وأمّا "السؤال الجوهريّ" الذي برز للدكتور، واستنتج منه أن «مؤسّسات الدولة» في إبعادها لشخص وتقديمها لآخر، كانت موضوعية لأنّه لا مصلحة لها؛ فهو الضربة القاضية على كلّ ما جَهد الدكتور المريدُ في تشييده؛ فمتى كان لمؤسسات الدولة مدخل في تعيين مشايخ الطرق الصوفيّة بالمغرب؟! بل إن السلطان مولاي سليمان العلويّ نفسه أحال أمر خلافة أحد شيوخ الشرقاويين إلى أبناء الشيخ (ألم يقرأ السيّد الراضي رسالة السلطان التي أجاب بها أبناء تلك الزاوية؟ وهي منشورة ضمن رسائل المولى سليمان؟! أوَلم يقرأ الدكتور ما ردّ به الشيخ العارف بالله سيدي جمال على رسالة وزير الأوقاف في هذا الشأن؟!). والذي نستخلصه ممّا سبق أنّ السيد إسماعيل الراضي يتصوّر توصية الشيخ المربيّ لمن يخلفه أمراً خاضعاً لرغبته البشريّة، كما يخضع لمؤسّسات الدولة؛ وكفى بهذا التصوّر دليلاً على الفرق بين مشروعية السند وبين عدمها؛ كما أنّنا حين نقرأ قول سيدي حمزة في وصيته: «ومن هذا الإعظام لقدر الإذن، ومن الوفاء بحقّه وواجبه، أن نشهد أمام الحقّ سبحانه أنّ الإذن الذي لدينا في تلقين الذكر والدعوة إلى الله على طريق الافتقار إليه، هذا الإذن ينتقل بعد مماتنا إلى ولدنا الأرضى مولاي جمال الدين، ثمّ من بعده إلى ابنه البارّ مولاي منير» لا نملك إلاّ استنكار ذلك التصوّر الذي فيه تبخيس للإذن الربّانيّ.
(ولن أعلّق على كلام الدكتور عن «آداب البحث والمناظرة» لأنّ ما قصده بهذه العبارة دليل كاف على مبلغ علمه بتلك الآداب).
ثمّ إنّ ما وصف به السيّد المفكّك استمحاصي بأنه «نقاش علميّ ودينيّ» ليس هو كذلك – كما أسلفت -. أمّا ما سمّاه بــ«العلاقات العائليّة» ومنع الحديث عنها، فإنّ ما تحدّثت به عنها بكلّ توقير وتعظيم لم أقصد به إلا التنبيه لأهمّيّة هذه العلاقات لكونها شرطاً في صلاح العبد بَلهَ اتّباعَه. وأمّا ما نسبه إليّ الدكتور من اتّخاذ موقف الشريفة حفظها الله ورضي عنها «حجّة فاصلة في تقرير المشيخة» فأنا حقّاً أعتبر معرفتها بالحقيقة حجّةً، وإن كان الدكتور لا يعتبرها كذلك ! ولا يُستغرب هذا ممّن لا يريد «الخلط [وبالأحرى: الجمع] بين البرّ والاتّباع».
وأمّا حججكم – سيدي الدكتور - التي رأيتم جدارتها بالتمحيص، فإنّكم وقعتم منذ أولاها في ثلاث سقطات، الأولى افتراء باطل عليّ حين قلتم بأنّني كنت من الشهود على إدراج اسم سيدي منير؛ بيد أنّه لا علم لي إلاّ بوصيّة واحدة، دُعيتُ مع بعض الإخوة للتوقيع عليها، وكنتم كذلك من المستدعين. وثانية السقطات: مطالبتي بالتمحيص في وصيّة شيخي سيدي حمزة قدّس الله سرّه بعدما طلب منّي – من جملة من طلب منهم التوقيع –؛ وهل للمريد – إن كان مريداً حقّاً – تمحيص لأمر شيخه!؟ وأمّا ثالثة الطامّات، فهي: التشكّك في الإرادة الحرّة للشيخ العارف بالله المربّي سيدي حمزة – وهو من هو – بقولكم عن الإضافة «هل جاءت في سياق طبيعي يعكس إرادة حرّة؟ أم أُقحمت في ظروف تثير التساؤل ...» (وقد لا يُستغرب مثل هذا التشكّك ممّن دأب عليه وكان ديدنَه، حيث ظهر مرّة أخرى في وصية سيدي جمال قدّس الله سرّه).
أمّا عن حجّتكم الثانية، فحديثكم فيها عن امتعاض سيدي حمزة من إضافة سيدي منير؛ فلا أقول لكم إلاّ ما قلتُ أعلاه حينما ساءلتكم: لماذا أشدتم بوراثة سيدي منير وهو حاضر في حضرة سيدي جمال. وعن التسجيل الذي قلتم إنّ سيدي حمزة «يصرّح فيه أنّ سيدي الحاج العباس لم يخبره بأنّ سيدي منير هو صاحب البشارة» وجعلتموه دليلاً «على عدم إقراره لتلك الإضافة». وظنّي فيكم – سيدي الدكتور – أنّكم تدركون بأنّ عدم ذكر الاسم ليس دليلاً على عدم جدارته بالبشارة؛ وقد كان سيدي حمزة وسيدي جمال طيلة تولّيهما المشيخة يسمعان الفقراء -بمن فيهم أنتم - يصفون سيدي منير دون غيره بـــ"بشارة العارفين"، دون أن يعترض أحد أو يعلّق على هذا الوصف.
وإنّي بعد الذي تقدّم لأربأ بنفسي عن الخوض في ما أراد السيد الدكتور المفكّك أن يجرّني إليه من أمور أحمد الله سبحانه أن جعلني أنزّه عنها كلاًّ من سيدي جمال قدّس الله سرّه، وسيدي منير رضي الله عنه؛ لأنها «من مسالك التشهير التي تُفسد أكثر ممّا تُصلح» - كما عبّر الدكتور، دون أن يلتزم ذلك – وقد تُفسد سالكها قبل أن تُفسد غيره.

والي جهة الدار البيضاء سطات يترأس افتتاح معرض لمشاريع المبادرة الوطنية للتنمية البشرية بالدار البيضاء
سيدي بنور : برنامج مواكبة الفلاحة التضامنية حول تربية النحل وانتقاء ملكات النحل
تيفلت.. وفد طلابي من جامعة هولندية يطلع على التجربة التربوية والإنسانية لدار الأطفال
نظام التعويض عن فقدان الشغل.. أية بدائل لضمان الاستفادة واستدامة آليات التمويل؟
أوكي..