الأحزاب والوضع السياسي الراهن بالمغرب: أين الخلل؟ وما العمل؟
الأنوال نيوز :العلمي الحروني – منسق تيار اليسار الجديد المتجدد من داخل الحزب الاشتراكي الموحد
الأحزاب والوضع السياسي الراهن بالمغرب: أين الخلل؟ وما العمل؟
الجزء 1: سياق فشل الأحزاب بالمغرب في إنتاج المعنى والأفق السياسي.
في مستهل هذه المداخلة، يسعدني التواجد بإقليم اشتوكة أيت باها، هذا المعقل النضالي الذي شهد تأسيس أول فرع للحزب (منظمة العمل الديمقراطي الشعبي سابقا) من طرف القائد اليساري المرجعي الفقيد محمد بنسعيد أيت إيدر، رمز الممارسة السياسية النبيلة والنظيفة. كما أشكر الرفيقات والرفاق بفرع بالفاع الصامدة على دعوتهم الكريمة، وأحيي عاليا الرفيقات والرفاق بفروع شتوكة أيت باها على استحضارهم لأرواح كل مناضلي الإقليم الذين واصلوا الدرب بإصرار.
إن استحضار هذه قيم القائد بنسعيد اليوم، في ذكراه الثانية، يتجاوز الوفاء لخطاه إلى فرصة ومدخل ضروري لطرح سؤالنا المركزي: الأحزاب السياسية بالمغرب… أين يكمن الخلل؟ وما العمل؟ 
يأتي هذا النقاش اليوم في سياق وطني ودولي موسوم بتحولات عميقة ومتسارعة، حيث يشهد العالم انزياحات كبرى في موازين القوى، من الغرب الى الشرق. وأزمة بنيوية للنموذج النيوليبرالي هنا وهناك، وتنامي أشكال المقاومة الاجتماعية والشعبية.
في المغرب، تتخذ هذه التحولات طابعا خاصا، يتجلى في انسداد الأفق السياسي، وتراجع الثقة في الفعل الحزبي، مقابل تصاعد الحراكات الاجتماعية القطاعية والمجالية. إن السؤال عن وضع الأحزاب المغربية اليوم سؤال سياسي-تاريخي يهم وظيفة الوساطة، والتمثيل والتأطير وإنتاج المعنى والأفق السياسي.
في الحقيقة، يقف خلف النظام السياسي في المغرب فراغ هائل في الحقل السياسي، يجعل من الصعب، بل من المعقد، تحليل حقل سياسي فعلي، لأنه ببساطة لا وجود له أو جد ضعيف على أرض الواقع. فالممارسة السياسية المعلنة/الظاهرة تكاد اليوم تخلو من أي دينامية حقيقية، وهي على كل حال بدون نتائج حقيقية خلال 70 سنة من الاستقلال المنقوص والشكلي.
يبدو أننا أمام وضع تهيمن عليه حالة من " الغباء الهيكلي" الناتج عن البنية السياسية التي تنتجها بنى سياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية تعيد تصنيع اللاوعي والامتثال والجهل المصطنع، وتكبل الوعي النقدي وتمنع تشكل وعي طبقي حقيقي.
وهنا يظهر ما يمكن تسميته بـ"الغباء الأخلاقي" البنيوي أيضا، حيث تغيب القدرة على التنظيمات ببناء رؤية حقيقية عن فداحة الأوضاع العامة المزرية. وهذا يدفعنا إلى طرح سؤال جوهري: من يملك اليوم سلطة تفسير الواقع؟ ومن الجهة التي تصوغ التفسير الرسمي الموجه؟ تلك التي تحتكر المعنى، الذي يرهن السياسة وممارستها ويضربها في مقتل. لقد أصبح المغرب بلدا فاقدا لسيادته السياسية والاقتصادية والنقدية والتجارية وحتى الأمنية. وبالتالي، لم يعد للحكم أو للحكومة أو للانتخابات أي معنى أو أفق حقيقي.
الوضع السياسي المغربي اليوم هو نتيجة تراكم طويل من فقدان المصداقية في الممارسة السياسية والعملية الانتخابية، ما أدى إلى عزوف حاد وبرلمان ممزق وحكومة بلا صلاحيات حقيقية وانعدام فصل السلط، وسلطة تفتقد السيادة الفعلية.
هذا الخلل يعكس بدقة أزمة النخب والتنظيمات المختلفة في البلاد. أن تكون "سياسيا" في المغرب، لا يعني الانشغال بقضايا العالم أو التوازنات الجيوسياسية أو الانكباب على هموم المواطنين الحقيقية، وإنما يعني ببساطة أن تتقن الحملات الانتخابية ومحترفا لها وذلك داخل دائرة الغباء الأخلاقي.
في حالة مثل حالة المغرب، وفي سياق الممارسة السياسية داخل حقل سياسي مبلقن، هش وغير منتج، تطبعه تحالفات انتهازية متقلبة وتوازنات ظرفية. كما أنه وفي ظل غياب قيادة يسارية ذات مصداقية، تتحلى بالشجاعة والجرأة والاستعداد للتضحية من أجل تشبيك وقيادة أرخبيل من النضالات المجتمعية والحراك الشعبي، تبدو الأزمة أكثر عمقا.
فالقيادة السياسية الحالية تتسم بالتذبذب والانتظارية القاتلة، وتفويت فرص التغيير الديمقراطي للدولة والمجتمع، حسب تعبير الرفيق الفقيد محمد بنسعيد أيت إيدر. حيث يسود ما سماه بـ "المنطق الضبابي" الذي يحكم التفاعلات داخل حقل سياسي مائع (La logique floue)، في ظل غياب الوضوح الإيديولوجي والاستراتيجي.
ومن هنا، لم تعد التنظيمات السياسية، منذ الاستقلال الناقص إلى اليوم، سوى كائنات تائهة في هذا المنطق الضبابي الذي طبع ويطبع الممارسة السياسية داخل فضاء حزبي يفتقر إلى التمايز الإيديولوجي الحقيقي.
فبدل أن تكون الأحزاب قاطرة للتأطير والمساءلة وتقديم البدائل، أصبحت منخرطة في لعبة سياسية مغشوشة ومحكومة بتحالفات هجينة، قائمة على حسابات ظرفية لا على تعاقدات سياسية واضحة، لا في نظر المواطن ولا حتى المناضل/ة. وهذا أُنتج مشهدا حزبيا فاقدا للفعالية، ببرامج متشابهة وحدود ضبابية بين الأغلبية والمعارضة، ما أفرغ المؤسسات التمثيلية من مضمونها الحقيقي.
إن هذا الضعف المزمن في الأداء السياسي للأحزاب اليسارية والديمقراطية لا يعود فقط لعوامل بنيوية أو إكراهات خارجية، بل أيضا إلى خضوعها الطويل لمنطق سياسي مبهم، تتحكم فيه المصالح الشخصية، وتهيمن عليه النخب، وسط قبضة الدولة على الحقوق السياسية والحزبية وعلى الحقل الديني أيضا. وهذا ما أفرز دينامية قائمة على التحكم والترويض خارج منطق التداول والتنافس الحقيقي.
ثم هناك الإشكال الجوهري فيما يسمى بـ"الديمقراطية المغربية" هو أن الحياة السياسية تحولت إلى نوع من الكوميديا، حيث كل استحقاق انتخابي أصبح مجرد عرض، تروي فيه قصصا عن رهانات واحتمالات لا وجود لها، وحكومات بلا سلطة حقيقية، ومؤسسات منتخبة منزوعة القيمة خاضعة لرحمة ولرغبات الاستبداد، حتى بات هذا الواقع أمرا مسلما به من قبل كل عقل ومنطق سليم.
والمشكلة الأعمق أن هذا التمثيل الزائف يطال كل الحقول: الثقافية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية، والتي تخضع لهيمنة منظومة إعلامية موجهة، "عمومية" و"خاصة"، ذات امتداد أمني واضح، ما يعمي الرؤية ويضلل ليس المواطنين فقط وإنما المناضلين أيضا، بل حتى من يفترض أنهم مشاركون في صناعة القرار.
فبدل التركيز على نقد جوهر السياسات الخاطئة للنظام السياسي، نقف مطولا عند مظاهرها، بينما الكارثة الحقيقية تكمن في "طبقة" التضليل في الحقل الإعلامي، والتي سبق وأن طالبت حركة 20 فبراير بوضوح بتحريره.
يبدو أن اليسار المغربي، أو ما تبقى منه بعد انحراف وتحريف، نسي أو تناسى أن الحقل السياسي لا يوفر أي تنافس فعلي متكافئ، وأن استمراره في هذا الوضع يعني موته البطيء، خاصة مع غياب مشروع سياسي جدير باليسار وبالشعب المغربي. ذلك أنه، اليوم، لم تعد أمامه سوى مهمة تدبير قرارات اتخذت من طرف الاستبداد تتعلق بإدارة ندرة الموارد المالية والطاقة والماء والغذاء والعقار. ويبقى السؤال المحوري حول من سيستفيد من هذه الموارد؟ هل هي الطبقة الغنية أم الفئات الشعبية الفقيرة؟ غائبا، والثمن الباهظ لذلك هو تدهور أنظمة الضمان الاجتماعي والتقاعد والرعاية الصحية واستنزاف الثروات الوطنية، داخل شعارات مزيفة كالدولة الاجتماعية والنموذج التنموي الجديد المستورد. (يتبع)

تزكية حزب الاستقلال مولاي إبراهيم العثماني للانتخابات التشريعية 2026 بسلا
المستشفى الإقليمي الزموري بالقنيطرة يحتضن الجلسات العلمية الأولى لتكوين مهنيي الصحة وتأهيلهم لمتطلبات الممارسة الطبية الحديثة
وزير الداخلية لفتيت يكشف حصيلة من طرف لجان المراقبة المختصة التقنية حول " الفيضانات التي عرفتها مدينة أسفي "
المدربون الأربعة المرشحين لخلافة الركراكي.. الجامعة تدرس قبل الحسم
أوكي..