سعد الدين العثماني : مناسبةالمناظرة الوطنية للحماية الاجتماعية

بداية، أود أن أعبر لكم عن سعادتيلافتتاح أشغال "المناظرة الوطنية للحماية الاجتماعية" التي تعقد استجابة لتعليمات جلالة الملك محمد السادس نصره الله، الذي دعا الحكومة وجميع الفاعلين المعنيين في خطاب العرش لهذه السنة "للقيام بإعادة هيكلة شاملة وعميقة للبرامج والسياسات الوطنية، في مجال الدعم والحماية الاجتماعية، وكذا رفع اقتراحات بشأن تقييمها".
إن المنظومة الاجتماعية الحالية هي نتاج تراكماتالسياسات والبرامج العمومية المتبعة في الميدانالاجتماعي على مدى عقود،ومكنت من ضمان الولوج إلى الخدمات الاجتماعية لفئات واسعة من السكان وتحسين ظروف عيشهم. إلا أنه، بالرغم من هذه الإنجازات،فإنبعضا من الخدمات الاجتماعية المقدمة لفئات من المواطنين، لا ترقى إلى المستوى المنشود، وهو ما تعكسهمؤشرات التنمية البشرية التي لا زالت دون ما نصبو إليه، في مجالي التعليم والصحة بالخصوص.
وهذا ما يستلزم القيام بإصلاحات عميقة لسد هذا الخصاص، باستحضار الحاجيات الآنية والمستقبلية، لتفادي الضغوطات التي قد تنتج جراءالانتقال الديموغرافي الذي تعرفه بلادنا، وما يواكب ذلك من تزايد في حاجيات وانتظارات المواطنين.
تولي الحكومة أهمية قصوى للاستجابة لحاجيات كافة المواطنين، وتنويع البرامج لصالح الفئاتالهشة،ودعمالتماسكالاجتماعي،والعمل من أجل تمتيع الجميع بالكرامة والمساواةوتكافؤالفرص، وما فتئ جلالة الملك نصره الله يدعو إلى إيلاء العناية القصوى للشق الاجتماعي للمواطنات والمواطنين، وهي الدعوة التي تعتبرها الحكومة سندا ودعما، للعمل الحكومي في هذا المجال.
ولهذه الغاية، فقد أضحى من اللازم القيام بإصلاح شامل لمنظومة الحماية الاجتماعية، بهدف بلورة نظام متكامل وناجع يرتكز على تطوير وتحسين السياسات والبرامج المعتمدة، والتنسيق المحكم بين مختلف المتدخلين، وتعزيز الموارد المالية اللازمة للقطاعات الاجتماعية، والقيام بمراجعة عميقة وشاملة لطرق تدبير وتمويل هذه المنظومة، مع إيلاء عناية خاصة لمباشرة الإصلاحات المتعلقة بالحكامة.
وفي هذا الإطار، عقدت اللجنة الوزارية للحماية الاجتماعية اجتماعا بتاريخ 12 شتنبر 2018 للوقوف على الإنجازات المرتبطة بهذا الورش الهام ولا سيما على مستويات تحسين حكامةالمنظومة الاجتماعية، وتوسيع التغطية الصحية الأساسية،وتوحيد طرق استهداف ودعم الفئات المعوزة، وتطوير عرض وجودة خدماتالقرب الاجتماعية.
وإذا كانت هذه المناظرة تندرج في إطار الورش المتعلق بالحكامة، فقد عرف ورش التغطية الصحيةإصدار عدد من النصوص التشريعية والتنظيمية من أجل توسيع التغطية الصحية الأساسية وتطبيق النظام الأساسي عن المرَض الخاص بالمهنيين والعمال المستقلين والمزاولين للمهن الحرة، ومواصلة تنزيل نظام التأمين الإجباري عن المرض لفائدة طلبة التعليم العالي، والاستمرار في تعميم النظام الأساسي للمساعدة الطبية (راميد)والرفع من الميزانية المخصصة له برسم السنة المقبلة 2019.
أما فيما يرتبط بمنظومة استهداف المستفيدين من برامج الحماية الاجتماعية، فيتمحاليا إعداد مشروع قانون يهم"السجل الاجتماعي الموحد". ويتعلق الأمر بمشروع اجتماعي استراتيجي طموح يروم تحسين نجاعة وفعالية البرامج الاجتماعية وتوجيهها إلى المستهدفين الحقيقيينمن قبل هذه البرامج.
كما تنكب الحكومة حاليا على إصلاح الصندوق الوطني لمنظمات الاحتياط الاجتماعي، الذي تم تحويله إلى مؤسسة عمومية تحت اسم "الصندوق المغربي للتغطية الصحية"،ومواصلة تبسيط مساطر استفادة النساء والمهمشات من دعم صندوق التكافل العائلي، فضلا عن تقويةالبرامج الموجهة لدعم الأسرة وحماية الطفولة والأشخاص المسنين والأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة.
ومن جهة أخرى، فقد ضمنت الحكومة في مشروع قانون المالية لسنة 2019 جملة من الإجراءات الرامية إلى إعطاء دفعة قوية للبرامج الاجتماعية، منها على الخصوص برنامج "تيسير" لدعم التمدرس ومحاربة الهدر المدرسي،وكذا المبادرة الوطنية للتنمية البشرية إن منظومة الحماية الاجتماعية المزمع إرساؤها، يجب أن تأخذ بعين الاعتبار المخاطر والاحتياجات الكبرى التي تواجه المواطن خلال مختلف مراحل حياته.
فالنظام الذي نطمح إليه يجب أن يساعد الأسر من أجل تعميم التعليم الأولي لدى الأطفال وكذا السلك الأساسي من التعليم وتنمية قدرات ومهاراتالشباب من أجل إدماجهم في الحياة العملية والحياة العامة. ويجب أن تهتم هذه المنظومة أيضا بالأشخاص المسنين، الذين يعانون من عدة احتياجات، وبالأشخاص في وضعية إعاقة.
كما يتوخى من الحماية الاجتماعية تنمية نظام متماسك لولوج كل المواطنين وعلى قدم المساواة للخدمات الصحية ذات الجودة وفي الآجال المطلوبة، خاصة بالنسبة للأشخاص في وضعية اجتماعية خاصة.
ويتعين أن يندرج هذا الإصلاح في إطار شمولييأخذ بعين اعتبار التفاعل بين الأوراش الاقتصادية والاجتماعية، حيث مهما كانت الجهود المبذولة على المستوى الاجتماعي، فإن وقعها على السكان لن يكتمل إلا في مناخ أعمال سليم وأداء اقتصادي جيد يرتكز على الاستثمار المنتج للثروات وفرص الشغل، والذي نقوم بشأنه بمجموعة من الإصلاحات الهيكلية.
ولإعطاء نفس قوي،وديناميةمتجددة لهذا الورش الهام،تتوخى الحكومة من القطاع الخاص مضاعفة الجهود في إطار مسؤوليته الاجتماعية المواطنة، كما تعول على انخراط الفاعلين المحليين، وعلى رأسهم المنتخبين وجمعيات المجتمع المدني، وكذا على دعم ومبادرات الشركاء المحليين والدوليين في هذا المجال.
ستشكل المناظرةالوطنية الأولى للحمايةالاجتماعية،دون شك،فرصة للتحاور، وللتملك الجماعي،بخصوص التشخيصالمنجز من لدن المؤسسات الوطنية والدولية، والتجارب الناجحة لبعض الدول في هذا المجالمن أجل الاستفادة منها،وكذا فرصة لتبادل الرؤى والاقتراحات للإسهام في إرساء الاستراتيجية الوطنية للحماية الاجتماعية.
وبهذه المناسبة، أدعوالمشاركين إلىتعميق التفكير، وإيجاد حلول مبتكرة،في إطار مقاربة تشاركية واسعة، تتظافر فيها جهود الجميع.
إن هذا اللقاء الذي يشارك فيه نخبة من المفكرين والفاعلين في الحقل الاقتصادي والاجتماعي، من القطاعين العام والخاص، مناسبة لنا جميعا،لترصيد المكتسبات التي تحققتفي ظل الإصلاحات المتراكمة، وللوقوف عند أهم التحدياتالاجتماعيةالتي يجب مواجهتها،ولاستثمار الفرص المتاحةلتمكين منظومتنا الاجتماعية منالرقي بمستوى عيش المواطنات والمواطنين.
ولي اليقين، أن نتائج أشغال هذه المناظرة ستسهم في وضع خارطة طريق،تتكون من مراحل قريبةومتوسطة وبعيدة المدى،حسب الطابع الاستعجالي للإصلاحات ومدى راهنيتها، وذلك عبر إعادةهيكلة مختلف البرامج في شكل منظومة مندمجة ومتمركزة حول أهداف واضحة لصالح الفئات المستهدفة،يتمإنجازها على المستوى الترابي، على أساس أدوار ومسؤوليات مضبوطة.
ولا يفوتني في الختام،أن أتوجه بالشكر الجزيل، لجميع من أسهم في إعداد هذه المناظرة الوطنية الهامة، من أطر وسؤولي القطاعات المعنية وكذا من كافة فعاليات الشركاء.
أوكي..