محاكم التفتيش الأوروبية وظاهرة جلد العلماء

محاكم التفتيش الأوروبية التي كان تقوم بها الكنيسة الكاثوليكية بأوامر مباشرة من البابا غريغوري التاسع، وامتدت من القرن 13م إلى القرن 16م، وشملت مختلف أنحاء القارة الأوروبية، وكانت تهدف إلى محاربة الهرطقة، وأعمال السِّحر، وكل من يشكك في صحة ما وورد في الكتاب المقدس من تعاليم ونظريات فلسفية، وطبيعية وبيولوجية قد انتهت فهو واهن، وليراجع حساباته بالتأكيد، فالهرطقة التي قادتها طوائف الكاثار و الوندال باتاريناس المسيحية، والتي كانت تدعو إلى قراءة جديدة للكتاب المقدس، وكانت تلك المحاكم التي أودت بحياة الملايين من البشر، من أهم الأسباب في ظهور الحركة الليبرالية المسيحية، أو البروتستانت على يد القس مارتن لوثر في القرن 16م، وكان هدفها إصلاح الكنيسة الكاثوليكية، للتحول بعدها إلى طائفة دينية انجليلية كبرى، تعتنقها الكثير من دول العالم الغربي، كبريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية وغيرها من الدول، فمحاكم التفتيش التي استعملها أباطرة وملوك أوروبا، كملك فرنسا فيليب لوبيل ضدَّ فرسان الهيكل الذين وكما هو متعارف عليه تاريخياً كانوا يشكلون النواة الصلبة لتَّشكيلات العسكرية التابعة للكنيسة الكاثوليكية، وذلك في القرنين 11م-12م، إبان فترة الحروب الصليبية الكبرى، أو ملوك اسبانيا لإجبار المسلمين واليهود بعد سقوط الأندلس سنة 1492م، على اعتناق المسيحية بالقوة، وهي الدولة التي كانت جزءً لا يتجزأ من شبه الجزيرة الأيبيرية. و انتهت تلك الحملات، التي امتدت من سنة 1491م- 1609م، بطرد حوالي 300 ألف من المورسكيين، وهم المنحدرين من ذرية المسلمين المنصرين نهائياً منها، بعد أن تمت إدانتهم بجرم الردة والهرطقة، فحكم عليهم بالإعدام حرقاً وهم أحياء، وقد بلغ عددهم هؤلاء حوالي 40 ألف، كما تذكر ذلك الأستاذة في جامعة باريس، والباحثة الاسبانية إيزابييل بوتران في كتابها، والذي حمل عنوان تنصير المسلمين في اسبانيا، من1491م-إلى غاية سنة 1609م.
وقامت الكنسية من خلالها بالسيطرة على المنتوج الفكري، والثقافي لنخب العلمية الأوروبية، واستعملت سلطتها الدينية والدنيوية، وتغلغلها في دواليب السلطة والحكم، من أجل إسكات كل الأصوات العلمية التي تحاول فهم ما يجري في الكون وفي الطبيعية من ظواهر و تغييرات بيولوجية حية، بدون الرجوع إلى فهم الكتاب المقدس، فكان هؤلاء يخيرون بعد إحراق كتبهم إما بالرجوع الى فهم الكنيسة أو الاعدام، وبعد أن تعقد محاكمات علنية لهم كغليلو غليلي، والذي اضطر إلى التراجع عن نظريته العلمية الكونية المعروفة حول الشمس، بالإضافة إلى إعدام الآلاف من الفنانين والعلماء الأوروبيين كان أبرزهم ربما غارثيا دي أورتا البرتغالي، وعالم اللاهوت والأحياء ميغيل سرفيت الاسباني، وجراندو برونو عالم الفلك المعروف، صاحب النظرية الكوبرانية، وجوليو سيزار فنيتي، والفيلسوف والشاعر والطبيب بيترو دابانو، وهؤلاء الثلاثة ينحدرون من أصول ايطالية، ويبدو أن محاكم التفتيش التي تظهر دائماً في عصور الانحطاط الأيديولوجي، والديني والحضاري، والفكري والاجتماعي المعرفي، قد أصابنا من سهامها نصيب فبات البعض للأسف الشديد، والأنكى من هذا أنهم يحسبون أنفسهم على الطبقة المثقفة، ومن حاملي لواء الحداثة، والعصرنة أو من المدافعين عن الموروث الثقافي الديني للأمة، كما يسمون أنفسهم، والذين يعتقد بعضهم بأنَّ الله عز وجل قد جعل منهم خلفائه على الأرض، ومن يحملون لوائه و أعطى لهم مفاتيح الجنة فجعلهم من سدنتها، أو مفاتيح جهنم، وجعلهم من خزنتها.
الكهنوت الديني والفلسفي الذي أمر بإحراق كتب ابن رشد والفرابي وابن سينا، وابن ماجلان، وابن عربي والحلاج، والمارودي والحافي، و أبو حيان التوحيدي، وأبو عمرو الكوفي، وغيرهم، مثلما ذكر ذلك الباحث والكاتب ناصر الخزيمي في كتابه المسمى حرق الكتب في التراث العربي، وفيه دراسة موثقة لأشهر العلماء والمفكرين الذين تمَّ إحراق كتبهم من طرف الحكام، وبمباركة من رجال الدين أنفسهم، مثلما فعل الخليفة المنصور في الأندلس في القرن11م، مع كتب الفيلسوف والفقيه والعالم، والطبيب الجهبذ، والذي كان ظاهرة فلسفية عالمية آن ذاك، يحج إليه طلبة العلم من أصقاع الدنيا وجهاتها الأربع لكي ينهلوا من علمه الغزير الذي لا ينتهي، والشارح الأعظم لأرسطو كما يقلب في أوروبا، والدول الغربية حتىَّ يوم الناس هذا، الفيلسوف القرطبي ابن رشد، والذي كان يحاول إعادة مجد الثقافة الإسلامية من خلال تقديم قراءة مختلفة لأصول الدين، والفلسفة الإسلامية، وذلك في بداية عصر الضعف والانحطاط الأخلاقي والفكري والديني، والعلمي للمسلمين، وفي جميع مجالات ومناحي الحياة.
نفس هذا الكهنوت يعود مجدداً في عصر التكنولوجيا الرقمية، والتطور العلمي و المعرفي، والحضاري الرهيب، في عصر ما بعد العولمة، حيث الاكتشافات العلمية المذهلة، والصادمة أحياناً، وفي عصر ما بعد الذرة، وتكنولوجيا النانو وعصر الروبوتات الآلية، لا يزال الكثير من المسلمين يعيشون وعقولهم مربوطة بعصور التخلف، والرجعية والانحطاط الديني، وقد تجلى ذلك في الكثير من المرات كان أبرزها ربما عندما توفي مغني البوب الأشهر مايكل جاكسون رحمه الله تعالى، فثار القوم و علت أصواتهم، وانحصرت اهتماماتهم وقتها، في سؤال غيبي رباني، مفاده هل هو من أهل الجنة، أو من أهل النار يا ترى؟ وهل يجوز لنا الترحم عليه شرعاً، أم لا؟ وبعد سنوات طويلة خرجت علينا أخته المغنية والممثلة الأمريكية المعروفة جانيت جاكسون التي كانت متزوجة من رجل أعمال قطري، وفي مقابلة متلفزة لتقول: بأن أخاها قد اعتنق الديانة الإسلامية قبل وفاته، بسنوات عدَّة، وبأنه أخفى ذلك على محبيه ومعجبيه، خوفاً على حياة عائلته، ونفس السيناريو يتكرر مرة أخرى حالياً، حينما توفي البروفيسور ستيفن هوكينج والذي يعتبر بحق، أعظم فيزيائي عرفه العالم بعد اينشتاين و إسحاق نيوتن، والذي له العديد من الأبحاث، والنظريات العلمية التي أفادت البشرية جمعاء، والتي بالتأكيد سيكون لها مفاعيل علمية واستخدامات فلكية في القرون القليلة القادمة، فالرجل الذي رحل عن هذه الدنيا عن عمر ناهز 76م، ترك لنا تراثاً علمياً ومعرفياً ضخماً، قلَّ نظيره في زماننا هذا، و خلد اسمه بحروف من ماء الذهب في سجل العظماء، فيما غيره ممن لا أهمية ولا وزن، ولا قيمة لهم حتىَّ عند أنفسهم، يكفرونه ويزندقونه، ويعتبرونه ملحداً، خالداً مخلداً في نار جهنم، ونسي هؤلاء بأن النَّبي عليه أفضل الصلاة والسَّلام ذكر في حديث صحيح مسلم ، بأن رجلا قال: والله لا يغفر الله لفلان، فغضب الله عز وجل وقال: من ذا الذي يتألى علي أن لا أغفر لفلان، فإني قد غفرت لفلان، وأحبطت عملك، فليس من عمل المخلوق التدخل في عامل الخالق، وليس للوكيل أن ينوب عن محاسبة غيره بدل الأصيل.
وهل تلومون الرجل لأنه لم يسلم؟، أو هكذا بلغنا والله تعالى أعلم بالنفوس، وتدخلونه النار بدون حجة دامغة أو برهان مادي ملموس، و تنسون بأنكم مطالبون شرعاً كما جاء في حديث النبي عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم، بتبليغ دين الله للعالمين، إذ قال: بلغوا عني ولو آية، وبدل أن تلوكوا ألسنتكم بالغيبة، والنميمة و أكل لحوم أناس قدموا للبشرية الكثير، وبدل أن تلوموا الكفار الذين لولاهم لما بلغتم ما بلغتموه من العلم، لأنهم اخترعوا لكم الكهرباء، والانترنت ومواقع التواصل الاجتماعي، والطائرات والسَّيارات، ونظم حكمكم الحديثة، وكل احتياجاتكم أو جلها، من غذاء ودواء… الخ تأتي من دولهم، اهتموا بعقد محاكم تفتيش لأفكاركم المتخلفة، والرجعية و لفهمكم المغلوط والمتطرف للدين، والذي خرجت من نسخ داعش والقاعدة والنصرة، وحاولوا تطوير أنفسكم والانشغال بها، وقدموا بلدكم وأمتكم، إن استطعتم إلى ذلك سبيلاً طبعاً، ربع ما قدمه ستيفن هوكينج أو اينشتاين، أو غوثا أو شبايسس، أو ديكارت أو كانط، أو اسبينوزا، أو غيرهم من المفكرين، والفلاسفة والعلماء لدولهم وللفكر البشري بصفة عامة، ثم بعد ذلك لكل حادث حديث.
أوكي..