الأمازيغ يطالبون بردّ الاعتبار لثقافتهم
.jpg)
من كل عام تحل رأس السنة الأمازيغية في الثالث عشر من يناير، وقد استقبل الأمازيغيون هذا الشهر سنة 2968، وفق تقويمهم على الاحتفال برأس السنة الأمازيغية رد الاعتبار إلى حضارتهم ولغتهم التي تناهزعمرها الثلاثين قرناًويعتبر الأمازيغ أو "إيمازيغن" سكان منطقة شمال أفريقيا الأصليين، والتي تمتد من واحة سيوة المصرية شرقاً، إلى المحيط الأطلسي في المغرب غرباً.
وتاريخياً، تمتد الأراضي التي سكنها الأمازيغ من البحر الأبيض المتوسط شمالاً، إلى الصحراء الكبرى جنوباً، إلى جانب فئة قليلة سكنت النيجر وشمال بوركينا فاسو، ومجموعات أخرى تسمى "الغوانش" سكنت جزر الكناري.
وتعني كلمة "إيمازيغن" في اللغة الأمازيغية "الرجال الأحرار والنبلاء"، ومفردها "أمازيغ"، ومؤنثها "تمازيغت" وتجمع "تِمازيغين"ويختلف الأمازيغ عن المسيحيين والمسلمين في أنهم لا يربطون تأريخهم بواقعة دينية معيّنة، وإنما يربطونها باليوم الذي انتصر فيه الملك الأمازيغي "شيشونق" على ملك الفراعنة رمسيس الثالث، تعود إلى سنة 950 قبل الميلاد، ليؤسس الأسرة الـ 22 في مصر الفرعونية.
قال الناشط الأمازيغي المغربي، عادل أداكسو عن محطات من تاريخ الأمازيغ تميزت بمقاومة كل أشكال الغزو الأجنبي.
وبحسب أداسكو، فقد حارب الأمازيغ الرومان والوندال والبيزنطيين والعرب الأمويين والفرنسيين والإسبان، الأمر الذي جعل ثقافة الأمازيغ تنبني على "المقاومة والتحرر"، حسب قوله.
ويلفت الناشط الأمازيغي إلى أن هذه "المقاومة" لم تكن ضد الثقافات والحضارات، إذ تبنّى الأمازيغ، كما يقول، الكثير من لغات وثقافات وديانات "الغزاة" الذين هاجموهم.
ويضيف أداسكو: "لقد كانوا يرفضون الاستعمار، لكنهم كانوا منفتحين على الثقافات المختلفة، وهذا ما لم يفهمه الكثيرون الذين اعتقدوا أن الأمازيغ لا يهتمون بلغتهم الأصلية".
وتابع: "الأمازيغ عندما حاربوا العرب الأمويين حققوا الاستقلال السياسي للمغرب عن المشرق في الإطار الإسلامي نفسه، وأسسوا الكثير من الدول الأمازيغية الكبرى؛ مثل دولة المرابطين، التي كان منها الملك يوسف بن تاشفين، ودولة الموحدين، والمرينيين، والسعديين".
ويتوحد الأمازيغ في العالم كله تحت عَلم واحد يرمز إلى أرضهم التي يطلقون عليها اسم "تامازغا"، وقد تم اعتماده من طرف الكونغرس العالمي الأمازيغي سنة 1998، في اجتماع عقد في جزر الكناري.
ويتكون العلم الأمازيغي من ثلاثة ألوان، وهي الأزرق والأخضر والأصفر، بالإضافة إلى رمز الهوية الأمازيغية حرف "تيفيناغ"، باللون الأحمر.
وبحسب أداكسو، فإن اللون الأزرق يرمز إلى البحر الأبيض المتوسط وإلى المحيط الأطلسي، في حين يرمز اللون الأخضر إلى طبيعة وجغرافية شمال أفريقيا، في حين أن اللون الأصفر يصفر إلى الصحراء الكبرى، واللون الأحمر فيرمز إلى المقاومة".
قدم الحضارة الأمازيغية واتساع رقعتها الجغرافية التي تضم أكثر من أربعة دول مجتمعة، جعل لغتها تنقسم إلى لهجات مختلفة، ففي المغرب مثلاً توجد ثلاث لهجات أمازيغية، كما توجد العشرات من اللهجات الأمازيغية الأخرى في مختلف بلدان شمال أفريقيا.
وتنتمي اللغة الأمازيغية إلى عائلة اللغات الأفرو آسيوية، ولا توجد اليوم أرقام دقيقة حول عدد الأمازيغ الذين يتحدثون بها.
وأوضح الناشط الأمازيغي أن الأمازيغية "كانت مهمّشة بعد استقلال الدول المغاربية"، إذ عملت هذه الدول على تبنّي الأيديولوجيا العربية - الإسلامية، وتركت الأمازيغية على هامش المؤسسات.
غير أن نضال الحركات الأمازيغية الذي استمر لنصف قرن أعطى في النهاية ترسيم اللغة الأمازيغية في دساتير كل من المغرب والجزائر، بينما ما زالت تونس وليبيا لا تعترفان بالأمازيغية سياسياً ولا قانونياً؛ بسبب عدم استقرارهما، يضيف أداسكو.
ويقول أداكسو: "إن أمازيغ ليبيا ينتظرون بفارغ الصبر استقرار الأوضاع لكي يحصلوا على مكتسباتهم الديمقراطية وحقوقهم اللغوية والثقافية، في حين ما زال أمازيغ المغرب والجزائر يطالبون بإجراءات أكثر".
وعلى مر التاريخ اعتنق الأمازيغ ديانات متعددة، خصوصاً أن وجودهم سبق ميلاد النبي عيسى عليه السلام، إذ عبد الأمازيغ الشمس والقمر، كما تأثروا بالديانات المصرية القديمة التي اشتركوا معها في الإله آمون.
كما اعتنقوا المسيحية، قبل أن يعتنقوا الإسلام بعد وصول الجيوش العربية إلى شمال أفريقيا.
ومن الأمازيغ الذين تقلّدوا رتبة رفيعة في الكنيسة المسيحية القديس فيكتور الأول، وجيلسيوس الأول، ومن الأمازيغ من حكم الإمبراطورية الرومانية في قمة أوجها، كسبتموس سيليروس، وماكرينوس، وآخرين.
وأقرّت المغرب والجزائرالأمازيغية لغة رسمية ثانية إلى جانب العربية، وذلك ضمن مجموعة من التعديلات الدستورية التي شملت دستوري البلدين.
وفي المغرب صدرت مجموعة من القرارات التي "تعيد الاعتبار" للأمازيغية، من بينها إضافة الأمازيغية للافتات الرسمية في الشوارع العمومية، وإشارات الطرق، إلى جانب تسميات الوزارات والمرافق العمومية.
وأنشأت وكالة الأنباء الرسمية بالمغرب قسماً خاصاً بالأمازيغية لا يبث مواده إلا بها، في حين أُطلقت قناة "الأمازيغية" بالمغرب، وأدرجت السلطات المغربية الأمازيغية ضمن المواد الملقنة بالمدارس العمومية.
وفي الجزائر تقوم المدارس أيضاً بتدريسها، لكنها مادة غير معمّمة وليست إلزامية في كل المدن بالدولتين.
وأقرّت الجزائر رأس السنة الأمازيغية عيداً وطنياً وعطلة رسمية، في حين أصدرت، الأربعاء 10 يناير 2018، أول بيان لها باللغة الأمازيغية.
ويناقش البرلمان المغربي قانوناً يضع الخطوط العامة لتنزيل الأمازيغية وتعميمها كلغة وطنية للبلاد إلى جانب العربية.
وعلى الرغم من ترحيبهم بهذه الخطوات، فإن الأمازيغ، سواء في المغرب أو الجزائر، ما زالوا يعتبرونها "قليلة" في حق ثقافة عمّرت آلاف السنين.
وفي هذا الصدد، رحّب بوبكر أونغير، المنسّق الوطني للعصبة الأمازيغية لحقوق الإنسان، بالخطوات التي اتخذت لصالح الأمازيغية، معتبراً أنها "قامت بتصحيح مسار لم يكن مقبولاً من طرف الأمازيغ".
وقال أونغير: "على الرغم من الخطوات المهمة في البلدين، فإن الجرأة السياسية الحقيقية لا تزال معطّلة لدى بعض أطراف القرار السياسي في بلدان المغرب الكبير".
وأضاف: "في الوقت الذي ضحّت فيه الحركة الأمازيغية في البلدين لعقود طويلة فإن الحصيلة لا ترقى إلى التطلعات"، موضحاً أن "آليات التعطيل الدستوري والسياسي للمطالب الأمازيغية ما تزال قائمة رغم أن الأمازيغ ليسوا مصدر خوف".
ولا توجد أرقام رسمية بشأن عدد الناطقين بالأمازيغية كلغة، في حين أدى اختلاطهم بالعرب؛ سواء من خلال التزاوج أو العيش، إلى خلق صعوبات أمام الدراسات لتحديد العدد الحقيقي للأمازيغ في العالم.
أوكي..