الدكتور أحمد غاني : قضايا صوفية بين رؤية الفكر ورؤية الذكر
_4.jpg)
الأنوال نيوز متابعة
الدورالأساسي للوسيط الروحي: من المَلَك جبريل (عليه السلام) إلى الشيخ المربي العارف بالله .
أعود إلى مداخلة لسيدي جمال خلال الخلوة يوم الاثنين 19 أغسطس 2024، والتي جاءت بعد المحاضرة الثامنة بعنوان “قضايا صوفية بين رؤية الفكر ورؤية الذكر”، التي قدمها الدكتور أحمد غاني.
تناول سيدي جمال موضوع الشيخ الذي تم التطرق إليه في المحاضرة، موضحاً أن اللجوء إلى شيخ هو ضرورة ملحة لكل من يرغب في أن يتكامل ويعرف ربه قبل لقائه. وقارن هذه العلاقة بعلاقة الأستاذ مع تلاميذه، أو بعلاقة البستاني أو الغرّاس كما قال، مع الشجرة المزروعة، التي تستفيد من العناية الدقيقة من قبل البستاني الذي يسعى لتوفير الماء والمغذيات والرعاية اللازمة لتعزيز نموها. كما أكد سيدي جمال أن النبي (ﷺ) كان لديه معلم بارز في شخص المَلَك جبريل (عليه السلام)، الذي كان دوره يتجاوز مجرد نقل آيات القرآن، حيث قدم تعليماً روحياً وأخلاقياً أساسياً لهداية الأمة الإسلامية.
وإذا كانت مسألة التعليم الروحي قد نوقشت كثيراً على مر التاريخ، فمن المشروع أن نسأل: من هو الذي علّم أول معلم، أول مربي، أي النبي محمد (ﷺ)؟ الإجابة المباشرة ستكون: الله. نعم، ولكن كيف قام الله بذلك؟
يجب التوضيح، قبل أن نبدأ في تأملنا، أن تربية النبي (ﷺ) فريدة من نوعها ولا تشبه أي نوع آخر من التربية، لأن النبي (ﷺ) لا يشبه أي إنسان آخر ولا يخضع لنفس القضايا المتعلقة بتزكية نفسه. لذلك، فإن المقارنة تتعلق بالوظائف التربوية بحد ذاتها وليس بالعيوب التي تهدف هذه التربية إلى تصحيحها.
يمكن تمييز مستويين من التعليم أو التربية:
1. الكلام الإلهي المباشر: يكشف قراءة دقيقة للقرآن أن الله يخاطب النبي (ﷺ) مباشرة في مناسبات عديدة لأسباب مختلفة:
• التوضيح والتعليم: يوضح الله كلامه ويعلّم النبي (ﷺ)، كما في سورة المائدة (5:41) حيث يوجه الله النبي (ﷺ) في كيفية الرد على المنافقين، أو في سورة البقرة (2:144) حيث يدلّه على الاتجاه الجديد للصلاة.
• التعزية: يطمئن الله النبي (ﷺ) في أوقات الشدة، كما في سورة الشرح (94:5-6) حيث يذكر الله أن كل ضيق يعقبه فرج، أو في سورة الضحى (93:3-5) حيث يؤكد له الله على رحمته.
• التوجيه: يوجه الله النبي (ﷺ)، كما في سورة الكهف (18:6) حيث يذكر الله النبي (ﷺ) بأنه لا يجب أن يحزن بشكل مفرط على الذين لا يؤمنون، أو في سورة الأنعام (6:114) حيث يعيد التأكيد على سلطة الوحي الإلهي ويحث النبي (ﷺ) على عدم البحث عن حكم آخر غير حكم الله.
• الأوامر المباشرة: يعطي الله أوامر دقيقة للنبي (ﷺ)، مثل تلك الموجودة في سورة المدثر (74:1-2) حيث يأمر الله النبي (ﷺ) بأن يقوم وينذر، أو في سورة العلق (96:1) حيث يأمره بأن يقرأ باسم ربه.
• التشجيع والدعم: يشجع الله النبي (ﷺ) ويدعمه، كما في سورة الأحزاب (33:1-3) حيث يُحثّ النبي (ﷺ) على الثقة بالله وتجاهل الكافرين والمنافقين، أو في سورة الفتح (48:1-3) حيث يطمئن الله النبي (ﷺ) بالنصر والمغفرة الإلهية.
• التوجيه التصحيحي: يقدم الله أحياناً توجيهاً تصحيحياً عندما يظهر خطأ في التقدير. على سبيل المثال، في سورة عبس (80:1-10) حيث يوجه النبي (ﷺ) بلطف بعد أن صرف انتباهه عن الأعمى (عبد الله بن أم مكتوم) الذي جاء ليتعلم، مفضلاً الاهتمام ببعض كبار قريش. وبالمثل، في سورة التوبة (9:43) يسأل الله النبي (ﷺ) لماذا سمح لبعضهم بالبقاء في المدينة دون تحقق. وفي سورة التحريم (66:1)، يلوم الله بلطف النبي (ﷺ) على تحريم ما أحل الله، وفي سورة الإسراء (17:73-74) يحذر الله النبي (ﷺ) من التأثر بمن يرغبون في أن يحيد عن الحقيقة الموحاة.
"هذه الأمثلة تظهر أن القرآن يحتوي على العديد من الآيات التي يخاطب فيها الله النبي (ﷺ) مباشرة لأسباب متعددة، مما يؤكد أهمية هذه الاتصالات الإلهية في التربية الروحية والأخلاقية للنبي محمد (ﷺ)."
2) تدخل وسيط: هذا الوسيط هو المَلَك جبريل (عليه السلام)، الذي يلعب دوراً جوهرياً في مرافقة النبي (ﷺ) في مسيرته الروحية. فقد قدم جبريل للنبي (ﷺ) نصائح ثمينة في العديد من المناسبات، بالإضافة إلى تقديم الراحة والطمأنينة.
أود أن أتوقف عند هذه النقطة. إن المقارنة بين دور المَلَك جبريل (عليه السلام) في تعليم النبي محمد (ﷺ) ودور الشيخ الصوفي في مرافقة فقرائه مناسبة في عدة جوانب، رغم اختلاف السياقات التي تتم فيها هذه الأدوار. لم يكن جبريل مجرد ناقل للوحي، بل كان أيضاً رفيقاً للنبي (ﷺ) طوال مهمته النبوية.
نقل المعرفة الروحية: كما نقل المَلَك جبريل (عليه السلام) المعرفة الإلهية إلى النبي (ﷺ)، ينقل الشيخ الصوفي إلى فقرائه تعاليم روحية ومعارف باطنية. يمتلك الشيخ الإذن وسلسلة إجازة صحيحة (السلسلة الذهبية)، مما يمكنه من نقل ليس فقط العلوم الدينية، بل أيضاً الممارسات الروحية والضوابط التي تقود إلى فهم أعمق للإيمان. هذا النقل يشمل التفسير والتوضيح. فعلى سبيل المثال، قام جبريل (عليه السلام) بشرح بعض الآيات للنبي (ﷺ) ووجهه في كيفية تطبيقها، مثل تعليمه سياق نزول بعض الآيات وتطبيقها في الحياة الشخصية والقيادة المجتمعية للمسلمين. تذكر العديد من الأحاديث أن جبريل كان يأتي للنبي (ﷺ) لتوضيح السياق أو تفاصيل الوحي. وبالمثل، توفر التفاعلات مع الشيخ فرصاً لتوضيح المعاني العميقة والجديدة لكلام الله.
التوجيه الشخصي والأخلاقي: وجه المَلَك جبريل (عليه السلام) النبي محمد (ﷺ) في تطوير الفضائل الشخصية مثل الصبر، والكرم، والتقوى. وبنفس الطريقة، يساعد الشيخ الصوفي فقرائه في مسيرتهم الروحية من خلال مساعدتهم على تطويرالصفات الداخلية، التغلب على النقائص، وتطهير النفس (التزكية)، يلعب الشيخ دور المرشد الروحي، الذي يساعد فقرائه على التقرب من الله.
التعزية والتطمين: كان جبريل (عليه السلام) يأتي ليواسي النبي (ﷺ) في أوقات الشدة، الشك، أو عدم اليقين. تشير العديد من الأحاديث إلى أن جبريل (عليه السلام) قد تم إرساله لتقديم العزاء للنبي (ﷺ)، مثلما حدث بعد الحصار الثلاثي في مكة أو عندما كان النبي (ﷺ) يقلق بشأن أداء مهمته بشكل صحيح. وبالمثل، يقدم الشيخ العزاء لفقرائه في لحظات الشك أو اليأس، ويمنحهم التشجيع والأمل. الوجود و الحضور الشبحي للشيخ يعتبر بمثابة بلسم للقلب وضمانة في أوقات الشدائد.
الممارسات التعبدية: علّم المَلَك جبريل (عليه السلام) النبي (ﷺ) الجوانب العملية للإيمان الإسلامي، مثل الصلاة (الصلاة)، الصيام (الصوم)، وأفعال العبادة الأخرى. فعلى سبيل المثال، أوضح كيفية أداء الصلاة بشكل صحيح. وبالمثل، يعلم الشيخ الصوفي فقرائه الممارسات التعبدية، مثل الذكر (ذكر الله)، التأمل، والأدب (آداب السلوك) في العبادة. مثلاً، كان سيدي حمزة يعلم حتى أدنى التفاصيل التي يجب اتباعها أثناء الوضوء، وأحياناً كان يركز على أمور تبدو بسيطة مثل تنظيف الأسنان. كما علّم جبريل (عليه السلام) النبي (ﷺ) ممارسات النظافة الشخصية مثل استخدام السواك، أكد سيدي حمزة على أهمية هذه العادات من خلال التأكيد على تنظيف الأسنان بعد الأكل، خاصةً للفم الذي يذكر الله باستمرار. حتى وإن كان تنظيف الأسنان عادة شائعة في الثقافة الحديثة، فإن أهميتها قد تقل في سياق الأعمال التعبدية. كل هذه الممارسات المبنية على الأدب و التعظيم تعتبر أساسية للتقدم في الطريق الصوفي.
التحذير من المخاطر: يمكن للشيخ أيضاً أن يحذر فقرائه من المخاطر التي قد تواجههم. كان جبريل (عليه السلام) يحذر النبي (ﷺ) من خطط الأعداء أو نفاق بعض الأفراد داخل المجتمع. على سبيل المثال، حذر النبي (ﷺ) من مؤامرات قريش، مما أتاح له اتخاذ تدابير وقائية (كما ورد في الأحاديث المتعلقة بالمعارك والأحداث في مكة والمدينة).
التعليمات في اللحظات الحرجة: كان جبريل (عليه السلام) يقدم إرشادات إلهية في الأوقات الحرجة، مثل معركتي بدر وأحد. وبنفس الطريقة، يقدم الشيخ توجيهات حاسمة لفقرائه في أوقات مهمة. على سبيل المثال، أثناء المظاهرة التي دعا إليها سيدي حمزة عام 2011 لدعم الدستور الجديد المقترح من الملك، أشرف الشيخ على الحدث وأصدر سلسلة من التعليمات لضمان نجاحها.
تصحيح المفاهيم الخاطئة: عندما يظهر سوء فهم أو تساؤل بين الصحابة، كان جبريل (عليه السلام) يتدخل لتقديم إجابات واضحة. مثال على ذلك تدخله لتصحيح سوء فهم حول الصيام والكفارة لانتهاك الصيام دون قصد (الأحاديث المتعلقة بالصيام وقواعد الكفارة، مثل حالة كعب بن عجرة). وبالمثل، يقوم الشيخ بتصحيح المفاهيم الخاطئة بين فقرائه حول تفسير كلماته أو السلوك المتوقع.
النصائح حول العلاقات الشخصية والاجتماعية: قدم جبريل (عليه السلام) للنبي (ﷺ) نصائح حول جوانب من علاقاته الشخصية والاجتماعية، بما في ذلك العلاقات مع زوجاته، أصحابه، والمعاهدات مع القبائل الأخرى (سورة الأحزاب (33:28-34) والأحاديث المرتبطة بها). وبالمثل، يقدم الشيخ نصائح حول السلوك الواجب اتباعه في التعاملات الاجتماعية الصعبة، مع العلم أن مسيرة المريد ليست خالية من التأثيرات الاجتماعية و العائلية السلبية.
التذكير بالفضائل والمكافآت: كان جبريل (عليه السلام) يذكر النبي (ﷺ) بأهمية الفضائل والأعمال الصالحة، وكذلك بالمكافآت الإلهية المترتبة عليها، مما يعزز الدافع الروحي للنبي (ﷺ) وأصحابه. وبالمثل، يذكر الشيخ فقرائه بأنهم من المحظوظين إذا بقوا على الطريق الروحي حتى وفاتهم. كما يقول سيدي جمال أو سيدي حمزة: "إذا مات أحد مريدي، ابنوا له ضريحاً ولن تكونوا قد كذبتم".
الرابط بين السلطة والتفاني: كانت العلاقة بين جبريل (عليه السلام) والنبي محمد (ﷺ) تتسم بإجلال عميق وطاعة لأوامر الله التي نقلها جبريل. وبالمثل، في التراث الصوفي، يُظهر الفقراء احتراماً عميقاً وتفانياً تجاه شيخهم، الذي يعتبرونه مرشداً في الطريق إلى الله. هذه العلاقة مبنية على الثقة المتبادلة، حيث يرشد الشيخ ويتبع فقرائه بإخلاص.
التعليم و التربية التدريجية: تماماً كما أن الوحي الذي نقله جبريل (عليه السلام) كان تدريجياً، مما سمح للنبي (ﷺ) باستيعابه وتعليمه بشكل تدريجي، فإن تعليم الشيخ غالباً ما يُقدّم بطريقة تدريجية، وفقاً لمستوى فهم المريد واستعداده الروحي.
لذلك، يظهر دور المَلَك جبريل (عليه السلام) تجاه النبي (ﷺ) ودور الشيخ الصوفي تجاه فقرائه تشابهاً في نقل المعرفة، والتوجيه الأخلاقي والروحي، والمرافقة في الممارسات الدينية. يعمل كل من جبريل (عليه السلام) والشيخ كمعلمين ومرشدين، يساعدون طلابهم على الوصول إلى علاقة أعمق مع الله وتحسين مسارهم الروحي. يجد تنوع واتساع التفاعلات بين جبريل (عليه السلام) والنبي محمد (ﷺ)، التي تغطي مجموعة واسعة من المواضيع، صداها في تنوع التفاعلات بين الشيخ و فقرائه.
أوكي..